قصص قصيرة

الجميع خاف منها… إلا هو الحقيقة المرعبة خلف الفتاة التي أخفت سرّ الأفعى

الجميع خاف منها… إلا هو الحقيقة المرعبة خلف الفتاة التي أخفت سرّ الأفعى

 

كان الليل يثقل على غرفة آداورا كأن الظلام وضع كفه فوق صد..رها. في الخارج كانت صراصير الليل تنشد لحنا رتيبا وكانت الريح تحرك أوراق شجرة المانجو العتيقة. أما في الداخل فلم يكن نوم آداورا هادئا ولا آمنا.

في حلمها رأت نفسها حافية القدمين في غابة يغمرها ضباب فضي متوهج. كان الهواء يلمع كأنه حي وتتحرك فيه همسات تشبه الفحيح. أمامها بركة ماء ساكنة إلى حد أنها بدت مرآة مصقولة. انحنت فوقها ببطء فرأت انعكاسها يحدق إليها لكن بعينين صفراوين ضيقتين باردتين لا تشبهان عينيها.

 

 

ومن بين الضباب خرجت هيئة امرأة. كانت أمها. ترتدي ثوبا أبيض حافية القدمين ووجهها شاحب كالعظم.

قالت الأم بصوت خافت

يا آداورا عليك أن تتحكمي فيه. إن دم إيكه ننيكا يجري قويا فيك وإذا استيقظ فلن يعاد إلى النوم.

هزت آداورا رأسها وهي تكاد تختنق

يا أمي لا أريد هذا! أريد أن أكون عادية مثل الجميع!

تردد صوت المرأة كريح تمر بين أشجار جوفاء

العادية ليست قدرك. الأفعى تختار وعاءها. لقد ولدت تحت العلامة والالتفاف حولك هو نصيبك.

بدأت الأرض ترتج. ومن العتمة انسلت أفاع ذهبية وفضية تزحف نحوها تلتف حول ساقيها ثم ترتفع أعلى. كانت حراشفها تتلألأ كضوء القمر.

صرخت آداورا بكل ما فيها

لا! اتركوني!

وفجأة انتفضت من نومها وهي تلهث. كانت ملاءتها مبللة بالعرق وقلبها يضرببعنف. قبضت على ذراعيها ثم تجمدت.

كانت خطوط خضراء دقيقة تزحف خافتة تحت جلدها كأنها عروق من ضوء.

همست وهي تضم كفيها

لا ليس من جديد.

وبدأت تدندن الدعاء الذي علمته إياه جدتها لحنا أقدم من اللغة. شيئا فشيئا خفت الضوء وتلاشت الخطوط. بقيت آداورا ترتجف وخوفها أكبر من قدرتها على الفهم.

مع الصباح كانت المدرسة تضج بالهمسات.

قال أحدهم هل سمعتم آداورا أغمي عليها ليلة أمس!

وقال آخر بل سمعت أنها ممسوسة!

وردت فتاة يقولون إن عينيها تصيران خضراوين حين تغضب!

انتشرت الشائعات كالنار في الهشيم. لم يعرف أحد من بدأها لكن الخوف يجد دائما طريقه حين تضعف الحقيقة.

وصلت هذه الهمسات إلى إيميكا أيضا. في البداية تجاهلها لكنه حين دخل الصف ورأى مقعد آداورا فارغا تسلل إلى صدره قلق بارد لم يستطع تفسيره.

وخلال الاستراحة رأى آداورا تمشي وحدها نحو بوابة المدرسة كما تفعل دائما. كان وجهها شاحبا وحركتها متوترة كأنها تقاوم شيئا غير مرئي.

ناداها

انتظري!

توقفت لكنها لم تلتفت.

قال بصوت هادئ

أنا آسف على ما حدث أمس. ما كان ينبغي أن أزعجك.

تنهدت وقالت

ليست مشكلتك يا إيميكا.

سألها وكأن السؤال خرج منه قبل أن يفكر

إذا لماذا تدفعين الجميع بعيدا مم تخافين

ظل السؤال معلقا بينهما. استدارت ببطء وفي عينيها لمعان لم يستطع أن يسميه خوفا أم حزنا أم تحذيرا.

قالت

لن تفهم.

أجابها وهو يفاجئ نفسه

إذن اجعليني أفهم. دعيني أحاول.

للحظة بدت وكأنها ستبكي ثم همست

أنت طيب يا إيميكا لكن الطيبة لا تعيش قربي.

ثم مضت بسرعة وتركته واقفا عاجزا عن الكلام.

في ذلك المساء عادت آداورا إلى البيت مبكرا. كان المنزل ساكنا. أمها غائبة أسبوعا لحضور طقس عائلي في القرية الأصلية. لم يبق معها إلا جدتها ماما نغوزي.

في المطبخ كانت الجدة تحرك قدرا من الأعشاب تتمتم بأدعية خافتة. رفعت رأسها حين دخلت آداورا.

قالت الجدة

لم تأكلي في المدرسة مرة أخرى.

أجابت آداورا

لم أشته الطعام.

حدقت الجدة طويلا في وجه حفيدتها ثم قالت

الأحلام تشتد أليس كذلك

ترددت آداورا ثم قالت

نعم يا جدتي. رأيتهم مرة أخرى.

تصلبت ملامح الجدة

الأرواح قلقة. أنت تقتربين من عيد ميلادك السابع عشر. في ذلك العمر تستيقظ الأفعى في داخلك كاملا.

انفجرت آداورا بحدة لم تعهدها

لا أريدها! أكرهها! لماذا لا أعيش مثل بقية الفتيات

قالت الجدة بحزم

لأنك لست مثل الجميع. أنت إيكه آدا ابنة سلالة ملكة الأفعى. الموهبة تجري في دمك. يمكنها أن تشفي ويمكنها أن تهلك.

انكسر صوت آداورا

أنا لم أطلب أي موهبة أنا فقط أريد أن أكون حرة.

مدت الجدة يدها ولمست خدها برفق

حرية بلا حقيقة تصبح لعنة. سيأتي يوم يرى فيه الفتى الذي تدفعينه بعيدا حقيقتك. وعندها سيكون خيارك هو الفارق.

تجهمت آداورا

أي فتى

ابتسمت الجدة ابتسامة حزينة

ذاك الذي تلين عيناه حين ينظر إليك. ذاك الذي قد ينقذك أو يتدمر بسببك.

تراجعت آداورا خطوة وكأن اسما خفيا ضربها

إيميكا

في تلك اللحظة فاض القدر فجأة وتصاعد بخار أخضر ملأ المكان برائحة حادة ترابية قديمة. التفتت الجدة إليه ثم قالت

اشربي هذا الليلة. سيهدئ الأفعى. لكن تذكري كبتها طويلا سيجعلها أشرس.

أخذت آداورا الكأس وكانت يداها ترتجفان.

في الأسبوع التالي هطلت أمطار غزيرة. تدحرج الرعد فوق الأسطح وشق البرق السماء كعروق من نار. احتشد الطلاب تحت الملاجئ يضحكون ويتذمرون من الطقس.

لكن آداورا غابت مجددا.

لم يستطع إيميكا الجلوس. كان شيء عميق في داخله يهمس أن الأمر ليس غيابا عاديا. وحين رن الجرس الأخير خطف مظلته وركض وسط المطر.

كان بيت آداورا قرب أطراف البلدة تحيط به أشجار الموز وصمت ثقيل. وصل إلى البوابة وملابسه تقطر ماء. نادى

مرحبا

لم يجبه أحد. لاحظ أن الباب الأمامي موارب.

دخل بحذر. كانت شموع ضعيفة تلمع والهواء مثقل برائحة الأعشاب والدخان. ثم سمعه فحيحا منخفضا متكررا ليس من فم إنسان.

همس وهو يتقدم خطوة

مرحبا

تبع الصوت حتى وصل إلى غرفة آداورا وهناك تجمد.

كانت آداورا راكعة على الأرض ترتجف. كانت أصابعها تخدش ذراعيها كأنها تحاول اقتلاع شيء من داخل الجلد. كان ضوء أخضر ينبض تحت بشرتها. وكانت عيناها تتوهجان بصفرة خافتة. وعلى الأرض

 

 

حولها انزلقت أفاع صغيرة شفافة كأنها صنعت من ضباب تلوح بألسنتها في الهواء.

شهق إيميكا

آداورا!

رفعت رأسها مذعورة

اذهب! أرجوك!

سألها وهو يكاد لا يصدق ما يرى

ماذا يحدث لك

صرخت وهي تبكي

لا أستطيع إيقافه إنه يستيقظ!

وتحول صوتها للحظة إلى فحيح خشن. ارتجف جسدها وظهرت على عنقها تموجات تشبه الحراشف قبل أن تختفي. ضاقت حدقتاها كشقين.

صرخ داخله يأمره بالهرب لكنه لم يهرب. تقدم خطوة.

قال لها بثبات يحاول صنعه

اسمعيني يا آداورا تنفسي.

بكت وهي تهز رأسها

لا تلمسني! سأؤذيك!

لكنه مد يده رغم ذلك وأمسك يدها.

في اللحظة التي تلامست فيها بشرتهما اندفعت صدمة كأنها موجة كهرباء. انحنت ألسنة اللهب في الشموع إلى الداخل وارتفع فحيح الأفاعي ثم بدأ الضوء يخفت شيئا فشيئا.

هدأ تنفس آداورا. تلاشى التوهج من عينيها. وسقطت بين ذراعيه منهكة لكنها حية.

ظلا طويلا بلا كلام. كان المطر يطرق النوافذ كطبول قدر لا يرحم.

همست أخيرا بصوت مرتجف

الآن أنت تعرف.

ضمها إيميكا برفق وقال

لا يهمني ما أنت. ما زلت آداورا.

هزت رأسها بعجز

أنت لا تفهم أنا ملعونة.

قال ببساطة كأنها الحقيقة الوحيدة

إذن دعيني أشاركك هذه اللعنة.

انهمرت دموعها على قميصه. وللمرة الأولى منذ سنوات سمحت لنفسها أن تحتضن دون مقاومة.

حين انقشع المطر عادت ماما نغوزي. وجدتهما جالسين قرب الموقد آداورا شاحبة لكنها هادئة وإيميكا ما يزال يمسك يدها. تنهدت الجدة بعمق.

قالت

إذن لقد بدأ الأمر.

وقف إيميكا مرتبكا

يا سيدتي لم أقصد التطفل.

لوحت الجدة بيدها

لا حاجة للاعتذار. إن سمحت الأفعى لك أن تلمسها وتبقى حيا فربما كانت النبوءة صادقة.

ردد إيميكا

نبوءة

جلست الجدة على كرسي قديم وقالت

سلالتنا تعود إلى إيكه ننيكا إلهة الأفعى التي كانت تحرس الينابيع المقدسة. منذ زمن بعيد أحبت رجلا من البشر صيادا أنقذ حياتها. لكن اتحادهما كان محرما. وحين علمت الآلهة لعنتهما كل ابنة تولد من نسلها تحمل روح الأفعى في داخلها ممزقة بين امرأة وأفعى. ولا تروض هذه الروح إلا إذا وجدت رجلا نقي القلب.

خفق قلب إيميكا

وتظنين أنني أنا ذلك الرجل

قالت الجدة بهدوء

أنا لا أظن. الأفعى هي التي اختارتك.

اتسعت عينا آداورا

لا! لن أجره إلى هذا الطريق!

قالت الجدة بلطف قاس

لقد جررته بالفعل. القدر لا يطلب إذنا.

في الأيام التالية اقتربت آداورا وإيميكا أكثر. علمته التراتيل القديمة التي تستخدمها جدتها لتهدئة الأفعى وعلمها هو أن تضحك وأن تتذكر كيف تكون إنسانة دون خوف دائم.

لكن الخطر بدأ يتحرك. في القرية المجاورة انتشرت أخبار عن أضواء غريبة قرب بيت آداورا. استيقظت الخرافات القديمة. صار البعض يتهامس باسمها بخوف فتاة الأفعى الملعونة.

وفي مساء تجمع رجال عند سور البيت يحملون مشاعل.

قال أحدهم

إنها ليست بشرا. يجب تطهير البلدة.

سمع إيميكا الأصوات أولا فهرع إلى الداخل

آداورا يجب أن نذهب الآن.

وقبل أن يتحركا تحطم زجاج النافذة بحجر وتعالت صرخة

ساحرة!

تقدمت الجدة بعصاها وقالت

لن تؤذوا طفلتي.

رفع رجل مشعله

رأينا عينيها تتوهج! إنها شيطان!

وقف إيميكا بجانب الجدة

ليست شيطانا! إنها مختلفة فقط!

صرخ رجل

ابتعد أيها الفتى!

ثم طار مشعل وسقط قرب الباب. اشتعلت الستائر في لحظة. امتلأت الغرفة بالدخان.

وضعت آداورا يدها على رأسها وهي تلهث. كان شيء في داخلها يزمجر. صاحت

إيميكا اخرج!

قال وهو يقترب منها

لن أتركك.

ارتجف جسدها ولمعت الحراشف على ذراعيها. هبط صوتها إلى فحيح مخيف

إن فقدت السيطرة سأقتلهم جميعا!

أمسك وجهها بين كفيه وقال بثبات

إذن ركزي علي.

للحظة واحدة سكنت الأشياء كلها النار الصراخ الفوضى. التقت عيناها بعينيه. اندفعت قوة الأفعى لكن وجوده ثبتها كما يثبت المرساة سفينة في العاصفة.

ثم فعلت آداورا ما لم تفعله من قبل سمحت للقوة أن تصعد دون خوف.

انفجر ضوء أخضر غامر في المكان فانطفأت النار كأن الضوء ابتلعها. وفي الخارج سقط الرجال على ركبهم وانطفأت مشاعلهم.

وحين تلاشى الضوء كانت آداورا واقفة بلا أذى وعيناها تلمعان بذهب يحيط بها حضور يشبه حضور ملكة.

خرجت إلى الساحة. ارتجف القوم.

قالت بصوت عميق هادئ قديم

أنا لست عدوتكم. هذه اللعنة عبئي أنا لا عبء عليكم. لكن إن آذيتم عائلتي مرة أخرى فالأفعى ستتذكر.

أسقط الرجال مشاعلهم وفروا في العتمة.

بعد تلك الليلة تغير كل شيء. لم يعد أهل البلدة يسخرون من آداورا. بعضهم صار يتجنبها وبعضهم صار يهمس بالدعاء حين تمر لا يعرف أهي بركة أم تحذير.

أما آداورا فكان سلامها هشا. في كل بدر كانت قوة الأفعى تزداد. وكانت تخشى يوما لا تكفي فيه كلمات إيميكا.

وفي مساء هادئ تحت شجرة المانجو التي شهدت أول حديث بينهما قالت له

يجب أن ترحل قبل فوات الأوان.

تجهم وقال

لن أرحل.

همست

رأيت شيئا في أحلامي الأفعى قالت إن الحب له ثمن.

قال بثبات

سأدفعه.

تلألأت الدموع في عينيها

إن فقدت السيطرة ستحتاج الأفعى حياة لتوازن حياتي.

مد يده وأمسك يدها

فلتأخذ حياتي.

شهقت

إيميكا

قال بصرامة رقيقة

أنا جاد. أنت أنقذتني يوما من خوفي ومن خواء حياتي. إن كان الموت ثمن بقائك فسأدفعه ألف مرة.

دفنت وجهها في صدره وهي تبكي. تحركت الأفعى داخلها لكنها هذه المرة لم تفح. كانت كأنها تخرخر.

وفي يوم ميلاد آداورا السابع عشر ارتفع القمر أحمر كالدم. جمعت الجدة الأعشاب وبدأت تترنم

هذه الليلة تقرر مصيرها.

تمددت آداورا على حصير ترتجف وهي ترى الضوء يموج تحت جلدها. لمع الهواء بقوة غير مرئية وظهرت أفاع من الظل والنور.

ركع إيميكا بجانبها ممسكا يدها

أنا هنا.

صرخت آداورا وتقوس جسدها وظهرت الحراشف على ذراعيها وعنقها. لمع شعرها كذهب منصهر.

صرخت الجدة

لا تقاوميها اقبليها!

فتحت آداورا عينيها كان توهجهما شرسا

لا أستطيع!

اقترب إيميكا وهمس

تستطيعين. أنت أقوى من هذه اللعنة.

ثم فعل ما

 

 

 

لم يجرؤ أحد على فعله قبلها.

في لحظة واحدة انفجر كل شيء ضوء صوت طاقة كالعاصفة. اختفت الأفاعي. صار الهواء ساكنا.

وحين خفت الوهج كانت آداورا ممددة بلا حراك. اختفت الحراشف. صفا جلدها. وعادت عيناها بشريتين.

جلست ببطء وهي تلهث

إنه هادئ. الأفعى اختفت.

ابتسمت الجدة والدموع على وجنتيها

لا يا طفلتي لم تختف. لقد سكنت. صار بينكما سلام.

سأل إيميكا

ماذا حدث

قالت الجدة

الأفعى قبلت حبك. انكسرت اللعنة.

ومضت الأيام وتحولت إلى أسابيع. شفيت البلدة من خوفها. وتنفست آداورا حياة جديدة تدرس تضحك تمشي في الطرقات بلا أن تخفي وجهها.

عاد الناس يتهامسون لكن همسهم صار دهشة لا شماتة. بعضهم سماها آدا إيكه مباركة الأفعى وبعضهم اكتفى بأن يقول آداورا ويبتسم.

وفي مساء جلست تحت شجرة المانجو والتفتت إلى إيميكا قائلة

لم تتخل عني أبدا.

ابتسم إيميكا وكانت ابتسامته هذه المرة أهدأ من المعتاد كأنها خرجت من مكان عميق لم تطله السخرية يوما وقال بصوت يشبه الاعتراف

لم أستطع. سواء كنت إنسانة أو أكثر من ذلك أنت أجمل فتاة رأيتها.

ضحكت آداورا وكان ضحكها كضوء شمس يشق غيما ثقيلا ظل عالقا فوق قلبها سنوات. لم تكن ضحكة غرور ولا انتصار بل ضحكة من تذوق لأول مرة طعم النجاة دون أن يدفع ثمنها وحده.

رفعت حاجبها مازحة وفي طرف عينيها لمعة صغيرة لم يعرفها إيميكا فيها من قبل وقالت

ربما عليك أن تحذر ما زال في داخلي شيء من الأفعى.

غمز بعينه وتعمد أن يخفي رجفة خفيفة في قلبه خلف نبرة مرحة

جيد أنا أحب الخطر.

جلسا تحت شجرة المانجو العتيقة تلك التي شهدت وحدتها أولا ثم شهدت اقترابه منها خطوة خطوة. كانت السماء تتلون بالذهب ثم تميل إلى برتقالي خافت والريح تحمل رائحة تراب مبتل كأن المطر مر هنا منذ قليل وترك أثره في الهواء فقط.

في البداية لم يتكلما كثيرا. كانت الكلمات تبدو أقل ضرورة من وجودهما الصامت بجانب بعضهما. إلا أن آداورا بعد دقائق طويلة رفعت يدها إلى خصلات شعرها تتحسسها كما لو أنها تتأكد أن جسدها ما زال جسدها وأن ما حدث في ليلة ميلادها لم يكن حلما آخر قاسيا.

قالت بصوت منخفض

هل تصدق أنني كنت أخشى حتى أن أضحك كنت أظن أن الضحك يوقظها وأن الفرح ترف لا يليق بفتاة تبيت وهي تتوقع أن تستيقظ على حراشف.

نظر إليها إيميكا ثم قال برفق

وأنا كنت أخشى أن أبتسم أمامك لأنني كنت أشعر أن ابتسامتي تغضبك أو تحرجك أو تذكرك بأنك وحدك. كنت أبحث عن طريقة لأقول لك إنك لست وحدك دون أن أجعل الأمر يبدو شفقة.

اتسعت عيناها قليلا. لم تكن معتادة على هذا النوع من الصدق. لطالما عاشت محاطة بكلمات إما جارحة أو خائفة لا كلمات تعرف طريقها إلى الداخل بهذه البساطة.

قالت وهي تحدق في الأفق

الغريب أنني طوال السنوات الماضية كنت أظن أن اللعنة في الأفعى. لكنني بدأت أفهم أن اللعنة كانت في خوفي. في أنني كنت أهرب من نفسي وأكرهها وأعاملها كعدوة.

سكتت لحظة ثم أضافت

في تلك الليلة حين تركتها ترتفع دون خوف شعرت كأنني أتوقف عن الركض لأول مرة. كأنني أقول لها أنا أراك. أنا لا أنكر وجودك. لكنني لن أكون أسيرتك.

ابتسم إيميكا ابتسامة صغيرة وقال

ولهذا هدأت.

التفتت إليه فجأة كأنها التقطت معنى جديدا في كلمته. سألته

هل كنت خائفا عندما رأيتني في الغرفة تلك الليلة عندما رأيت الضوء الحراشف الأفاعي

لم يتظاهر بالشجاعة. قال بصراحة

نعم. كنت خائفا. خائفا جدا. لكنني كنت أخاف شيئا آخر أكثر كنت أخاف أن أتركك وحدك ثم أندم طوال حياتي لأنني صدقت الشائعات بدل أن أصدق الإنسان الذي رأيته فيك.

خفضت رأسها قليلا. شعرت بحرارة تسري في صدرها حرارة ليست من سحر ولا من فحيح بل من معنى لا تعرف كيف تسميه أن يختارك أحدهم حتى حين تصبح الحقيقة ثقيلة.

مرت فتاة صغيرة قرب الشجرة تحمل دفترا مدرسيا وتضحك بصوت عال مع صديقتها. مرت سريعا لكن آداورا تابعتها بعينيها كأنها ترى طفولتها تمر أمامها وتلوح ثم تختفي.

قالت بصوت خافت

كنت أتمنى أن أكون مثلها بلا أسرار بلا خوف بلا كوابيس.

رد إيميكا بهدوء

أنت الآن أقرب إلى ذلك مما تتخيلين. ليس لأن الأفعى انتهت بل لأنك لم تعودي وحدك معها.

أخفضت آداورا كفها إلى العشب وراحت تقطع ورقة صغيرة وتلتف بها حول إصبعها كأنها تختبر قدرتها على السيطرة على الأشياء البسيطة. ثم قالت

وماذا الآن

ابتسم إيميكا

الآن نعيش.

لم تعجبه هذه الكلمة وحدها فأضاف سريعا كأنه يخشى أن يبدو الكلام فارغا

نعيش دون أن نكذب. دون أن نخاف كل مرة من صوت الناس. سنواجههم إن لزم. وسنبتعد إن لزم. لكننا لن نختبئ.

رفعت آداورا نظرها إليه وكأنها تسمع الوعد لأول مرة بلغة يمكن تصديقها.

في ذلك المساء حين عادا كل إلى بيته لم تشعر آداورا بثقل الطريق كما كانت تشعر من قبل. كانت تسير وتلاحظ الأشياء الصغيرة ضوء المصابيح ظل الأشجار على الجدران صوت الماء في مجرى ضيق عند الحافة. كانت الحياة التي تمر عادة دون أن تراها قد بدأت تستعيد ألوانها.

وفي الليل وقفت آداورا أمام نافذتها. كان القمر أبيض من جديد لا دمويا ولا مخيفا. لامس النسيم خدها كما لو أنه يختبر هل ما زلت ترتجفين

لم ترتجف.

نظرت إلى انعكاسها في الزجاج. رأت وجهها كما هو عينين بشريتين بشرتهما

ساكنة ملامحها هادئة. لكنها للحظة خاطفة رأت شيئا آخر خلفها لمعانا ذهبيا في العينين كوميض برق بعيد.

تجمدت ثانيتين ثم تركت كتفيها يهبطان. لم تقاوم ولم تصرخ. فقط تنفست ببطء وكأنها تقول لنفسها لن أعطي الخوف فرصة ليحكم علي.

وعندها سمعت في داخلها صوتا لطيفا. لم يكن صراخا ولا فحيحا حادا بل همسا يشبه صوت ماء جار تحت الأرض

أنت لست وحدك نحن واحد. لا لعنة بل توازن.

ابتسمت آداورا ووضعت كفها على صدرها ثم همست

شكرا لأنك سمحت لي أن أعيش.

في الداخل كان إيميكا يتحرك في نومه وينادي اسمها بهمس كأن روحه تسبق فمه

آداورا

لم تكن تعرف إن كان يسمعها حين تتمتم باسمه لكنها قالت هي الأخرى في عتمتها

وأنا أيضا لن أتركك.

مرت دقائق ثم ساعة. واستلقى الليل على البيوت كغطاء ثقيل لكن دون أن يخنقها هذه المرة.

وفي مكان ما في الهواء مر فحيح خافت لا كتهديد بل كلحن تهويدة قديم. كأن شيئا غير مرئي يلتف حول البيت ويحرسه لا ليقيدها بل ليمنع عنها ما كان يخيفها.

لم تعد الأفعى تطاردها

بل صارت تحرسها.

ومع أول خيط من الفجر حين بدأت العصافير تجرب أصواتها أدركت آداورا أن الأسطورة لم تبدأ من جديد فقط بل تغير معناها.

لم تعد حكاية فتاة ملعونة تهرب من نفسها

بل حكاية فتاة واجهت حقيقتها وصادقت خوفها ثم خرجت إلى العالم بوجه مرفوع ومعها قلب لم يعد وحيدا.

وهكذا لم تكن النهاية نهاية حقا بل كانت بداية فصل جديد

فصل تتعلم فيه آداورا كيف تعيش كإنسانة كاملة

لا نصفها بشر ونصفها رعب

بل روح واحدة تعرف أن القوة ليست في إخفاء الوحش

بل في ترويضه بالمحبة وبالشجاعة وبالصدق.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى