سمعتُ بكاء طفلين خلف مستودع… وما وجدته غيّر حياتي للأبد

وجدته في بركة من ماء المطر والدم الذي ينتشر ببطء وهو يضم رضيعين كأنهما الدليل الوحيد على أنه أحب شيئا في حياته يوما.
كان يحتضر.
وعندما اقتربت خطوة واحدة فتح عينيه بنظرة يأس لا تظهر إلا في اللحظة التي تسبق الاستسلام مباشرة.
كان المطر يهطل على منطقة المستودعات منذ ثلاث ساعات متواصلة مطر نوفمبر البارد الذي يتسلل إلى السترات الرخيصة في ثوان ويحول كل ضوء في الشوارع إلى لطخة باهتة. كانت معدة سكاي جاكسون فارغة منذ الغداء. وفي حذائها الرياضي ثقب صغير يدخل الماء مع كل خطوة. وكان هاتفها يظهر ثمانية بالمئة فقط من البطارية.
كانت تسلك الطريق الطويل إلى البيت الطريق الذي لا يراها فيه أحد من المدرسة وهي تمشي بدلا من أن تنقل في سيارة. الطريق القصير يعني سيارات الآباء وأطفالا ملتصقين بالنوافذ يتظاهرون بعدم النظر إلى الفتاة التي لا يأتي أحد لاصطحابها. أما الطريق الطويل فكان لها وحدها وللمستودعات الفارغة.
أقنعت نفسها أنها تفضل ذلك.
كان القميص الأحمر ذو القلنسوة واسعا على جسدها النحيل أكبر من مقاسها لكنه كان يمنحها شعورا بالأمان. دست يديها في الجيب الأمامي فلامست أصابعها منديلا ورقيا مطويا كانت عاملة المقصف قد دست لها رغيفين إضافيين وقالت بقايا. وكلاهما كان يعرف الحقيقة.
بدأت السماء تزداد قتامة. اشتعلت أضواء الشوارع وهي تطن فغسلت الإسمنت بلون أصفر باهت. مرت شاحنات ثقيلة وشقت أضواؤها الضباب. كان العمال ينقلون الصناديق تحت المظلات المعدنية. وفي مكان قريب دوى صوت رافعة شوكية وهي تتراجع إلى الخلف. أما الحارس عند البوابة فلم يرفع رأسه عن هاتفه. الجميع مر,هقون الجميع يريدون العودة إلى بيوتهم.
تمتمت سكاي لنفسها
لم يبق الكثير.
تخيلت جدتها في الشقة الصغيرة. لا بد أن شيئا ما على الموقد ليس كثيرا لكنه
يكفي شخصين إن اقتسماه بحذر.
عندها سمعت الصوت.
بكاء رقيق حاد يائس.
ثم بكاء آخر تداخل معه.
أطفال رضع.
توقفت سكاي عن المشي. كان الصوت يرتد عن جدران المستودعات فيحول ممرات التحميل إلى غرفة صدى. يعلو على هيئة دفعات قصيرة ثم يخفت ثم يعود من جديد كأنها إنذارات صغيرة لا يسمعها أحد غيرها.
سألت المرأة التي تمر بجوار البوابة وهي تدفع عربة صناديق
هل سمعت ذلك
توقفت المرأة أصغت لنصف ثانية ثم هزت رأسها
هذه أصوات آلات يا عزيزتي. عودي إلى بيتك قبل أن يشتد الظلام.
أومأت سكاي تلقائيا لكنها كانت تعرف.
الآلات لا تبكي هكذا.
تحركت قدماها نحو الصوت قبل أن يلحقها عقلها. تذكرت كل تحذيرات جدتها
لا تدخلي الأزقة.
لا تتبعي أصواتا غريبة.
لا تذهبي إلى أماكن لا يمر بها الأطفال.
قطع بكاء آخر الهواء أقصر هذه المرة كأن صاحبه يوشك أن ينفد منه النفس.
همست سكاي
لا بد أن يتأكد أحد.
ولم يتحرك أحد.
تركت المسار الرئيسي وانزلقت بين مستودعين. صار الهواء أبرد فورا. رائحة صدأ وزيت وماء قديم. انفتح ممر ضيق إلى ساحة تحميل أوسع يغطيها سقف معدني غير مكتمل. كان ضوء برتقالي لأمن المكان يطن فوق باب فولاذي ويلقي دائرة ضوء ضعيفة على الأرض.
تحت ذلك الضوء كان هناك رجل.
كان مستندا إلى الجدار ساقاه ممدودتان أمامه. حذاؤه لامع رغم الخدوش. قميصه الأبيض اللاصق بجسده مبتل حتى آخر خيط. سترته الرسمية مزاحة إلى الخلف وطوقه مفتوح. رأسه مستند إلى ألواح المعدن المموج.
وفي ذراعيه طفلان رضيعان.
كانا ملفوفين ببطانيتين بلون كريمي ووجهاهما محمران متجعدان وفماهما مفتوحان في بكاء مرهق. أحدهما يلوح بقبضتيه في الهواء والآخر يصدر أصواتا أضعف كأنه لم يعد يمتلك طاقة للاعتراض.
تجمدت سكاي.
ذلك الرجل يبدو كأنه ينتمي إلى شاشة تلفاز لا إلى بركة خلف مستودع. ملابس
فاخرة ساعة أنيقة شعر مصفف لكنه يتفكك تحت المطر. وعلى قميصه الأبيض بقعة داكنة تتمدد من جانبه غير منتظمة ثقيلة.
د,م.
لم يكن هناك مهاجم ولا صراخ ولا سلاح ظاهر فقط صمت يثبت أن شيئا فظيعا قد وقع بالفعل.
همست
سيدي هل أنت بخير
ارتجفت جفونه ثم ركز نظره عليها لأول مرة.
قال بصوت متكــ,سر
لقد سمعتهما.
تقدمت خطوة بحذر ويدها لا تزال في جيب القلنسوة.
عن قرب بدا أسوأ. حول الضوء البرتقالي بشرته إلى رماد شاحب. وعلى شفتيه حلقة بيضاء خفيفة. والعرق يتصبب من جبينه رغم البرد. كانت البقعة الداكنة كثيفة ليست ماء مطر. وكان هناك قماش مشدود حول جانبه كضماد بدائي لكنه غارق بالد,م.
قالت بصوت صغير
أنت مصـ,اب.
أطلق زفيرا يشبه الضحك ثم تحول إلى ألم
ملاحظة بارعة.
شده الألم فالتوى وجهه. بكيا الطفلان أكثر للحظات ثم تحولا إلى أنين ضعيف كأنهما أنهكا من البكاء.
سألت لأنها احتاجت أن تقول شيئا غير أنا خائفة
كم عمرهما
همس
ثلاثة أسابيع أصغر من أن يفهما لماذا يرتكب الكبار أسوأ اختياراتهم.
اقتربت أكثر. لم تستطع منع نفسها. كان الرضيعان يجذبانها كالمغناطيس. أهدابهما مبتلة وأصابعهما تنقـــ,بض وتنبسط بحثا عن شيء يمسكانه.
قالت
هل أستطيع حمل أحدهما
رمقها بتمعن نظر إلى حذائها المثقوب إلى القلنسوة الكبيرة إلى عينيها التي لم تهــ,رب من وجهه رغم الدم.
قال بهدوء
كنت أتمنى أن تقولي ذلك.
حرك أحد التوأمين نحوها. كانت يداه ترتجفان لا خوفا بل إنهاكا.
قال وهو يهمس
اسندي رأسه.
قالت بسرعة وكأنها تدافع عن نفسها
ساعدت جارتي من قبل مع طفلها. أعرف كيف يحمل الصغار.
استقر دفء الرضيع بين ذراعيها ثقل صغير حقيقي. تعلقت أصابعه بطرف القلنسوة كأنه يتحقق من أنها حقيقية أيضا. هدأ البكاء وتحول إلى شهقات.
همست
هكذا كنت تحتاج إلى شخص بحجمك.
حدق الرجل فيها وكأن شيئا
داخله استراح جزءا يسيرا.
قال
قالوا إنك ستكونين جيدة معهما.
تجهمت سكاي
ومن هم قالوا
انحرف بصره إلى كاميرا صغيرة تحت السقف المعدني ثم عاد إليها
أناس يلاحظون أكثر مما يلاحظون أناس أخبروني أن هناك فتاة بقلنسوة حمراء تتوقف دائما عندما يسقط أحدهم أكياس مشترياته.
احمر وجه سكاي
كانت أكياسا ثقيلة ولم يساعده أحد.
قال
بالضبط.
أن الرضيع الآخر بين ذراعيه. حاول أن يبدل وضعه فعض على تأوه مكبوت. كل حركة كانت تجــ,رحه.
قالت بسرعة
أنت تحتاج إلى إسعاف أو الشرطة أو أي أحد.
هز رأسه بضعف
لن ينفع الآن إلا رقم واحد.
بأصابع مرتعشة أخرج محفظة رفيعة من سترته. ثم سحب بطاقة واحدة أثقل مما ينبغي بحواف فضية وسطح أملس بلا شعار.
قال
خذي هذه.
حاولت سكاي أن توازن بين الرضيع والبطاقة. تحت الضوء الأمني قرأت الاسم المكتوب أعلى البطاقة.
انحبس نفسها.
كانت قد رأت ذلك الاسم من قبل على لوحات ضخمة في وسط المدينة وعلى لوحات التبرعات في المدرسة وعلى التلفاز الصغير في عيادة الحي. عناوين مقابلات كلمات مثل مبتكر مغير قواعد اللعبة ملياردير التقنية.
تفلتت منها العبارة
أنت أنت الرجل الذي في الإعلانات!
ابتسم ابتسامة شاحبة
إن شئت قلت ذلك.
بكى الرضيع في ذراعيه بكاء واهنا.
قال
على ظهر البطاقة رقم. ليس رقما عاما. اتصلي به. اخبريهم أين نحن. وقولي لهم إنك معي ومع التوأمين.
سألته
لماذا لا أتصل بالإسعاف
اظلمت عيناه
لأن ليس كل من يرتدي الزي الرسمي يهتم بسلامتك ولأن ليس كل من في عالمي يريدنا أن نعثر علينا في الوقت المناسب.
شدت أصابعها على البطاقة.
أضاف بصوت شبه منطفئ
أرجوك عديني أنك لن تتركيهما.
نظرت إلى التوأمين واحد في حضنها والآخر متشبث بقميصه الملطخ وشعرت بشيء يهبط في داخلها ثقيل يقيني.
قالت
أعدك.
أعادت ضبط الرضيع في ذراعيها وأخرجت
هاتفها من جيب القلنسوة. الشاشة مشروخة والبطارية خط أحمر يكاد يختفي.
همست للهاتف
رجاء لا تمت الآن.
حاول الرجل أن
يضحك فاختنق الألم
تحدثين الهواتف حقا أنت طفلة هذا القرن.
قلبت البطاقة. لم يكن هناك شعار أو لقب مجرد سلسلة أرقام.
تمتمت
أنا فعلا سأفعل هذا.
وضغطت اتصال.
لم يرن الخط.
قال صوت امرأة فورا حاسم منخفض
أين هو
قالت سكاي بتردد
مرحبا
قالت المرأة
معك بطاقته. لن تتصلي إلا إن كنت معه. هل هو واع
نظرت سكاي إليه. كان رأسه مستندا للحائط عيناه نصف مغلقتين شفتيه مفتوحتين وهو يتنفس أنفاسا قصيرة.
همست
بالكاد أعتقد أنه تعرض لإطلاق نــ,ار. هناك دم وهناك طفلان وبركة.
زفرت المرأة بحدة
طبعا هناك بركة ثم شددت نبرتها استمعي إلي. أنت عند مخازن التحميل الشرقية صحيح هل ترين علامة مكتوب عليها D12
تفحصت سكاي الجدار. كانت هناك كتابة باهتة قرب الباب D11.
قالت
قريب D11.
قالت المرأة
حسنا. ابقي معه. لا تحركيه. اهدئي التوأمين إن استطعت. المساعدة في الطريق.
بدأت سكاي تقول
كيف عرفت ثم تجمدت.
قالت المرأة بسلاسة
اسمك سكاي أليس كذلك
قبضت سكاي على الهاتف بقوة
كيف تعرفين ذلك
لان صوت المرأة قليلا
لأنه لم يتوقف عن ذكر اسمك.
لم تكن المساعدة سيارة إسعاف.
أضواء خافتة ظهرت من آخر الممر ومضات زرقاء ناعمة على سيارة أنيقة بلا أي علامات. ليست شرطة ولا شيء تعرفه سكاي. توقفت السيارة عند طرف ساحة التحميل. فتح الباب ونزلت امرأة.
كانت تتحرك بسرعة لكن دون فوضى. معطف داكن حذاء عملي شعر مربوط للخلف بجدية.
تمتمت وهي تجثو قرب الرجل
من بين كل الأماكن لتطلق عليك النار اخترت ساحة تحميل وبركة!
قال بصعوبة مع ابتسامة ضعيفة
درامي وكان لدي مساعدة. ونظر نحو سكاي.
تبعت المرأة نظره ورأت الفتاة بالقميص الأحمر تحمل رضيعا كأنها تفعل ذلك منذ عمرها كله.
قالت بلطف
أنت سكاي إذن.
قالت سكاي وهي تضم الرضيع
الجميع ينطق اسمي كأنكم تدربتم عليه.
قالت المرأة
إلى حد ما نعم. ثم أضافت أنا أمارا. أعمل معه ويبدو
أنني سأعمل معك أيضا.
تحركت يدا أمارا بكفاءة سريعة. فحصت نبضه ورفعت قميصه قليلا لتقدر الجرح. كان الملفوف حوله مشدودا والدم يتسرب لكنه ليس نزفا جارفا.
قالت
ليس قاتلا إن أسرعنا وسنسرع. ثم نظرت إلى سكاي هل تستطيعين الركوب معنا يبدو أنهما يطمئنان لك.
نظرت سكاي إلى التوأمين ثم إلى الرجل الذي وضع في يدها وعدا ومستقبلا لم تطلبه.
قالت
نعم.
في الداخل كانت السيارة تفوح برائحة قماش نظيف وشيء حاد معقم. أضواء لطيفة في السقف دافئة لا جارحة. جلست سكاي على مقعد مبطن وحزام الأمان يشدها عبرها كان مسعف يعمل بصمت يراقب الأجهزة يبدل الضماد بآخر مهني.
قال المسعف
الضغط مستقر. من لف الجرح أول مرة
قالت أمارا من المقعد الأمامي
السائق. كنت أوجهه عبر الهاتف.
كانت المدينة تنزلق خلف الزجاج المعتم. وانعكاس سكاي في النافذة طفلة بعينين واسعتين وقلنسوة نصف مرفوعة ورضيعان يتمسكان بها كأنها الشاطئ.
سألها المسعف بلطف
هل أنت بخير هناك
قالت سكاي بصراحة
هما ثقيلان بطريقة جميلة.
فتح الرجلالملياردير الذي كان على وشك الموتعينيه وحددها كأنه يستطيع دائما معرفة مكانها في أي غرفة.
همس
سكاي
قالت بسرعة
أنا هنا. لا يسمح لك بالإغماء مجددا إلا بأمر الطبيب.
ابتسم ابتسامة واهنة
آمرة تشبه جدتك.
قالت
جيد.
التفتت أمارا قليلا إلى الخلف
هناك شيء يجب أن تفهميه. عندما نصل إلى العيادة سيكون هناك أشخاص يظنون أنهم يعرفون الأفضل لهذين الطفلين. بعضهم يهتم بسلامتهما وبعضهم يهتم بأشياء أخرى.
قالت سكاي
المال.
وأضافت أمارا
والنفوذ. لكنه ترك شيئا يمنحك صوتا. سنتحدث عندما يستقر.
قالت سكاي
أنا مجرد طفلة.
ابتسمت أمارا
أنت الطفلة التي مشت نحو البكاء. وهذا يجعل منك أكثر أهلية من نصف الكبار الذين أعرفهم.
العيادة الخاصة لم تشبه أي مستشفى عرفته سكاي.
لا تلفاز يصرخ ولا مقاعد بلاستيكية مثبتة.
كانت غرفة الانتظار تحتوي على أرائك ناعمة ومبرد ماء ونباتات حية.
جلست سكاي على الأريكة والتوأمان نائمان أخيرا. أعطتها ممرضة زجاجات دافئة وبطانية. عبر باب زجاجي رأت الأطباء حول سرير الرجل وجهه شاحب لكنه أكثر هدوءا والأجهزة من حوله تنبض بإيقاع ثابت.
جلست أمارا بجانب سكاي ومعها جهاز لوحي.
سألت سكاي بصوت خافت
كيف عرفتم أنني كنت هناك أنت وهو قبل أن أتصل.
عرضت أمارا صورة مشوشة من كاميرا مراقبة قلنسوة حمراء تمر قرب بوابة قبل أيام.
قالت
نراقب أكثر مما ينبغي. ثم أضافت منذ سنوات طلب مني أن أراقب شخصا فتاة تساعد الناس دائما حتى حين لا يساعدها أحد.
ألم غريب ضغط صدر سكاي
كان بإمكانكم أن تتحدثوا معي.
قالت أمارا
ذلك لم يكن قرارا لي. قراري كان أن أحميك من بعيد حتى يكبر هو بما يكفي ليقترب.
تمتمت سكاي
اختار وقتا غريبا.
قالت أمارا
لا أحد يتغير في لحظات مرتبة. يتغير الناس عندما يهتز كل شيء.
مرت ساعات. خرج طبيب أخيرا وقال إن الجراحة نجحت. الرصاصة لم تصب ما يقتله فورا. سيكون ضعيفا ومتألما لكنه حي.
لاحقا وبعد أن نقل التوأمان إلى غرفة حضانة مراقبة قادت أمارا سكاي إلى مكتب صغير. كانت الأوراق مرتبة على الطاولة.
قالت أمارا
لسنا مضطرين للحديث الليلة لكنني وعدته أن أشرح لك عندما تكونين مستعدة.
قالت سكاي وهي تحاول أن تبدو ثابتة
أنا داخل القصة أصلا. فلأعرف القواعد.
ابتسمت أمارا ابتسامة خفيفة
أنت أكثر استعدادا من كثير من الكبار الذين يجلسون هنا.
فتحت وثيقة وقالت
هذه وصيته. تبرعات ومؤسسات تفاصيل مملة لكنها مهمة. لكن هذا الجزء هو ما يهم الليلة.
وأشارت إلى فقرة.
مالت سكاي للأمام. وسط النص القانوني الكثيف كان اسمها كاملا.
قرأت أمارا
في حال عجزت أو توفيت أعين ابنتي الكبرى سكاي وصية وحامية أخلاقية لأطفالي الأصغر وقيمة على إرثي الشخصي شريطة أن تثبت بإرادتها
الحرة استعدادا لحمايتهم في لحظة خطر أو حاجة.
قالت سكاي بصوت رقيق
هذه كلمات كثيرة.
قالت أمارا
تعني أنك فعلت ما طلبه هذا الورق بالفعل.
ثم تابعت
بعض من في عالمه ظن أن هذه الفقرة رمزية. قصة جميلة للتسويق. لم يعرفوا اسمك. وبعضهم لم يصدق أنك موجودة أصلا.
قالت سكاي بدهشة
ظنوا أنني اختراع
قالت أمارا
حكاية لتبدو خطاباته أفضل. لكنه أصر. وعندما يكتب شيء في القانون مرارا يصير حقيقة شاء الناس أم أبوا.
حدقت سكاي في اسمها.
همست
أنا لا أريد أن أسلب شيئا من أحد.
قالت أمارا
أنت لا تسلبين. أنت تطلبين لحماية طفلين وتحديد كيف يذكر والدك.
هز ذلك شيئا في صدر سكاي.
سألت
وإن قلت لا
قالت أمارا
مجلس الإدارة يتخذ القرار كله. قانونيا سيدفعون لذلك. أخلاقيا هو أراد أن يكون لك خيار.
تذكرت سكاي أصابع التوأمين وهي تشد خيط القلنسوة وكيف هدأ بكاؤهما في حضنها.
قالت بصوت منخفض
سأقول نعم لكن لن أسمح لهم أن يعاملوني كزينة.
ابتسمت أمارا بسرعة
جيد. كنت أتمنى أن تقولي ذلك.
في اليوم التالي كانت سكاي في غرفة اجتماعات تشبه كوكبا آخر.
نوافذ من الأرض إلى السقف تظهر المدينة تحتهم كأنها نموذج مصغر. طاولة طويلة لامعة. بالغون ببدلات رسمية حواسيب مفتوحة وجوه محسوبة.
وعند طرف الطاولة كرسي فارغ.
همست أمارا
هذا كرسيك.
ترددت سكاي ثم تسلقت الكرسي. كانت القلنسوة الحمراء تمردا صغيرا في غرفة ألوانها محايدة.
تنحنح رجل ذو شعر مصفف بدقة
نحن ممتنون لمعرفة أنه في طريقه للتعافي لكن لدينا شركة ومساهمون. رعاية الأطفال يجب أن يتولاها محترفون.
قالت أمارا بهدوء
الرعاية يتولاها محترفون بالفعل. طبيا وقانونيا ونفسيا ولهذا تجلس سكاي هنا.
التفتت الرؤوس نحو سكاي. فضول في بعض العيون انزعاج في أخرى.
قالت امرأة بحدة
إنها قاصر. هذا ضغط غير مناسب.
شعرت سكاي بنبضها في حلقها. تلمست البطاقة الفضية
في جيبها. تذكرت نصيحة أمارا قولي الحقيقة.
قالت سكاي بصوت هادئ واضح
أنا هنا لأنني سمعتهما التوأمين. لم يسمعهما أحد غيري. مشيت نحو البكاء حين كان
بإمكاني العودة للبيت. هذا سبب وجودي هنا. أنا لا آتي لأخذ عمل أحد. أنا آتي لأضمن أن ينتهيا عند أناس يسمعون بكاءهما أيضا.
ساد صمت.
ثم هز عضو مجلس مسن رأسه
كلام سديد.
طال الاجتماع. كلمات مثل واجب ائتماني صورة عامة إدارة أزمة كانت تتطاير. وكانت أمارا تترجم لها المهم بهمس متقطع.
لكن سكاي كانت تفكر في أشياء أبسط يد صغيرة تشد خيط القلنسوة يد جدتها وهي ترتجف حين تحمل الأكياس وكيف همس الرجل باسمها في ساحة التحميل كأنه شيء ثمين.
في النهاية لم يحسم كل شيء فالعالم corporate لا يتحرك بسرعة. لكن شيئا واحدا اتضح لم تعد سكاي جاكسون غير مرئية. وبعض الحاضرين كانوا غير مرتاحين لذلك بشدة.
استيقظ والدها على صوت جدال خافت.
كانت سكاي على كرسي بجوار ســ,ريره تقشر برتقالة على منديل. كانت أمارا قرب الباب مع طبيب يتحدثان بصوت منخفض لكنه محتدم.
قال والدها
أنا بخير أو سأكون. علينا التركيز على التوأمين.
رد الطبيب
أنت لست بخير. لقد أطلقت عليك النــ,ار. جسدك ليس بندا في تقرير أزمة.
تنحنحت سكاي.
التفتا إليها.
قال والدها بصوت أجش لكنه أدفأ
أنت مستيقظة وتسرقين فاكهتي.
قالت سكاي
كنت نائما. ظننتها ستضيع.
ابتسم الطبيب وخرج.
بقي الصمت بينهما لحظة.
قال والدها
حدثيني عن المدرسة ليس الدرجات. عن الناس.
فحكت له عن الفتاة التي ترسم على يدها بدل الورق عن الفتى الذي يتظاهر بعدم الاكتراث لكنه يبكي حين ينهار مشروعه عن المعلمة التي تبقى بعد الدوام لتدرس المتأخرين.
ثم سألها
وأنت أين مكانك في هذه الصورة
قالت بعد تفكير
أنا الشخص الذي يلاحظ من يجلس وحيدا ويشم رائحة التســ,رب قبل أن يغرق الممر ويعرف أن المدير متوتر أكثر مما
يعترف.
قال
هذا يشبه القيادة.
قالت
يشبه المراقبة.
قال
كلاهما واحد إذا استخدمته على نحو صحيح.
نظرت إلى الضماد تحت ثوبه وفكرت إن كان هو بدأ يستخدم مراقبته بشكل صحيح أخيرا.
قال بعد صمت
لقد جئت من بين الجميع جئت.
قالت
كان لا بد أن يأتي أحد. هما مجرد طفلين وأنت كنت تنزف.
ضحك وامتعض من الألــ,م
قرأت تقريرا عنك. ثم قال قال التقرير إنك تلتقطين القمامة التي ليست لك وتساعدين الناس في حمل الأشياء وتصلحين الكراسي المتذبذبة حتى لو لم يرك أحد.
قالت بعصبية
من يكتب تقارير عن الأطفال!
قال
أناس يندمون لأنهم لم يكونوا حاضرين حين كانوا أصغر.
اشتعل شيء حار في صدرها.
قالت
تقول تقريرا كأنني مشروع.
قال
أنت نوعا ما أكبر مشروع لم أتمه.
اخــ,تنق صوتها
ماذا يعني ذلك
نظر إلى السقف ثم إليها.
قال
عندما كنت في عمرك كنت أعيش على بعد ثلاث محطات حافلة من هنا. كنت أظن أن العالم ينتهي عند الأرصفة المتشققة وآلات البيع المكسورة. أمك كانت تظن أن العالم أكبر.
توقف نفس سكاي.
قال
لقد رحلت. أقنعت نفسي أنها فترة مؤقتة سأعود عندما أملك شيئا أظهره. وعندما عدت كان كل شيء قد تغير. كانت هي قد رحلت وأنت تحملين أكثر مما ينبغي لطفلة.
ابتلع ريقه بصعوبة.
قال
ظننت أن إرسال المال والفرص أفضل من الحضور المتأخر. فراقبت من الشاشات والملفات. وأقنعت نفسي أن هناك لحظة مثالية لأطرق الباب.
قالت بحدة
وهذه هي تنزف في بركة
ابتسم
لم أقل إنها خطة جيدة.
سألته قبل أن تمنع نفسها
من أنت لي
زفر
جبان وأبوك.
اهتز العالم داخلها.
قالت تلقائيا
لا. أبي لا وجود له.
قال بهدوء
عبارة جدتك كانت أبرع مني في الكلمات.
اشتعل غضبها
لم تأت عندما مرضت جدتي. عندما
كدنا نطرد من شقتنا. عندما قال الأطفال إنني بلا أب.
قال
أعلم.
قالت
لا أنت لا تعلم. كنت على الشاشات تتحدث عن رد الجميل للمجتمع رأيتك في فيديو تمنح شيكا ضخما لمدرسة أخرى وشاهدناه على التلفاز الصغير في العيادة. ظننت
قال
ظننت أنك لو كنت هناك في الصف سأعرفك.
احمرت عيناها.
قال
أروني صورتك في معرض العلوم وقائمة جوائزك وسجل حضورك. كنت أعرف شكل حياتك لا صوتك.
ارتفع صوت صفارة بعيدة في الخارج.
قال
أنا لا أطلب المغفرة أطلب فرصة ألا أهدر هذه اللحظة أيضا.
كبر التوأمان أسرع منه شفاء.
أصبحا أقوى وأعلى صوتا وعيونهما تلمع بالفضول. وصارت زيارة العيادة عادة.
وفي مساء متأخر كان ضوء الشمس ينساب عبر الستائر. كانت الجدة في الزاوية تحيك شيئا ملونا. وكانت أمارا تقلب وثائق وعيناها تسرحان نحو الباب.
جلست سكاي على حافة الســ,رير وعلى ركبتيها توأم على كل ركبة يثرثران بأصوات بلا معنى.
قال أحدهما
دا
قال الأب
مذنب.
وقال الآخر وهو يشد كم سكاي
با با
ضحكت سكاي
قريب لكن هذه خروف.
ثم نظر أحدهما إلى سكاي بتركيز مفاجئ
س كاي
تجمدت سكاي.
همست الجدة
هيا يا حبيبي
قال الرضيع
سكي
اغرورقت عينا سكاي
سمعتم!
قال الأب وعيناه تلمعان
أول كلمة حقيقية واختاروك.
ثم ضرب التوأم الآخر على قميصها
سكاي!
ضحكت وبكت معا.
ثم لمحت سكاي رجلا خارج النافذة.
كان واقفا عبر الشارع بدلة ربطة عنق نظارات سوداء رغم أن الشمس تتراجع. يداه في جيبيه يحدق.
قالت سكاي
أبي من هذا
تصلب وجه الأب.
وقفت أمارا فورا واتصلت
عاد.
اختفى الرجل بعد لحظات.
أمسك الأب التوأمين بحماية
سكاي خذيهم إلى الحضانة الآن.
سألت
ماذا يحدث
قال
أرجوك اذهبي.
في الممر نظرت سكاي
خلفها. رأت أمارا وأباها يتحدثان بحدة. وعندما نظرت للشارع كان الرجل قد اختفى.
همست سكاي
جدتي ماذا يجري
قالت الجدة ويدها ترتجف
لا أعرف يا صغيرتي.
وصلت أمارا بعد دقائق ووجهها متوتر
علينا أن نتحدث أنتما الاثنتان.
وأغلقت الباب.
قالت أمارا
إطلاق النــ,ار لم يكن عشوائيا. كان مخططا. والشخص خلفه ما زال طليقا والآن يعرف بوجودك.
ثم بدأت الحقيقة تتكشف اسم ريتشارد كول عضو المجلس ثاني أكبر مساهم ومحاولاته لجعل التوأمين في وصاية الدولة وخطة تهريب ومربية مزيفة وضعت مهدئا في د,م أحد الطفلين وكاميرا خفية في الحضانة ومحقق خاص مات في حا,دث ثم خطة الطعم فالفخ في الحديقة والقــ,بض والمحاكمة والإدانة والحكم بالسجــ,ن عشرين عاما.
ومرت السنوات.
كبر التوأمان. كبرت سكاي. صار الأحمر قميصا محفوظا في صندوق. وصار الألم ذكرى لا تسيطر بل تعلم.
وفي أحد الأيامبعد عقد كاملعادت العائلة إلى الحديقة نفسها في عيد ميلاد التوأمين العاشر. قالت سكاي وهي تنظر إلى المكان
لا نسمح للذكريات السيئة أن تمتلك الأماكن الجميلة.
ثم ألقت كلمة قصيرة
قبل عشر سنوات سلكت الطريق الطويل سمعت بكاء ومشيت نحوه.
وقالت ما بقي منها معها حتى اليوم
العالم مليء بالبكاء معظم الناس يمرون لأنهم خائفون أو مشغولون أو يظنون أن أحدا غيرهم سيتولى الأمر. لكن لا بد أن يمشي أحد نحو البكاء لا بد أن يتوقف أحد لا بد أن يساعد أحد وقد تكون أنت.
قاطعها أحد التوأمين
هل يمكننا أكل الكعكة الآن
فضحك الجميع.
في تلك الليلة فتحت سكاي صندوقا قديما. أخرجت البطاقة ذات الحواف الفضية. تذكرت بركة الماء والد,م والضوء البرتقالي ووعدها الأول لن أتركهما.
ثم نظرت إلى القلنسوة الحمراء
مثقوبة عند الجيب مرقعة بخيط ملون من يد الجدة.
لم تعد ترتديها لكنها أبقتها.
لأنها تذكرها بمن كانت وبمن بقيت
شخصا يسمع البكاء.
شخصا يمشي نحوه.
شخصا يبقى.








